الجصاص
172
أحكام القرآن
حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا علي بن محمد قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا معمر قال : سمعت أبي يحدث عن جيش عن عكرمة عن ابن عباس قال : بعث نوفل بن الحارث ابنيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : انطلقا إلى عمكما لعله يستعملكما على الصدقة ، فجاءا فحدثا نبي الله صلى الله عليه وسلم بحاجتهما ، فقال لهما نبي الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل لكم أهل البيت من الصدقات شيء لأنها غسالة الأيدي ، إن لكم في خمس الخمس ما يغنيكما أو يكفيكما " . وروي عن علي أنه قال للعباس : سل النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعملك على الصدقة ، فسأله فقال : " ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس " . وروى أن الفضل بن العباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث سألا النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعملهما على الصدقة ليصيبا منها ، فقال : " إن الصدقة لا تحل لآل محمد " فمنعهما أخذ العمالة ومنع أبا رافع ذلك أيضا وقال : " مولى القوم منهم " . واحتج المبيحون لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا إلى اليمن على الصدقة ، ورآه جابر وأبو سعيد جميعا . ومعلوم أنه قد كانت ولايته على الصدقات وغيرها ، ولا حجة في هذا لهم ، لأنه لم يذكر أن عليا أخذ عمالته منها ، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( خذ من أموالهم صدقة ) ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يأخذ من الصدقة عمالة ، وقد كان علي بن أبي طالب حين خرج إلى اليمن فولي القضاء والحرب بها ، فجائز أن يكون أخذ رزقه من مال الفئ لا من جهة الصدقة . فإن قيل : فقد يجوز أن يأخذ الغني عمالته منها وإن لم تحل له الصدقة فكذلك بنو هاشم . قيل له : لأن الغني من أهل هذه الصدقة لو افتقر أخذ منها والهاشمي لا يأخذ منها بحال . فإن قيل : إن العامل لا يأخذ عمالته صدقة وإنما يأخذها أجرة لعمله كما روي أن بريرة كانت تهدي للنبي صلى الله عليه وسلم مما يتصدق به عليها ويقول صلى الله عليه وسلم : " هي لها صدقة ولنا هدية " . قيل له : الفصل بينهما أن الصدقة كانت تحصل في ملك بريرة ثم تهديها للنبي صلى الله عليه وسلم ، فكان بين ملك المتصدق وبين ملك النبي صلى الله عليه وسلم واسطة ملك آخر ، وليس بين ملك المأخوذ منه وبين ملك العامل واسطة لأنها لا تحصل في ملك الفقراء حتى يأخذها العامل . باب من لا يجوز أن يعطى من الزكاة من الفقراء قال الله تعالى : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) فاقتضى ظاهره جواز إعطائها لمن شمله الاسم منهم قريبا كان أو بعيدا لولا قيام الدلالة على منع إعطاء بعض الأقرباء . وقد اختلف الفقهاء في ذلك ، فقال أصحابنا جميعا : " لا يعطى منها والد وإن علا